عبد الشافى محمد عبد اللطيف
426
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ظهرت في العصر العباسي الأول ( 132 - 232 ه ) من بين الفرس خاصة ، والتي عمدت إلى تحقير العرب ، والحط من مكانتهم لتقويض رسالتهم « 1 » . * تطور الحركة الاستشراقية : وهذه الحركة أو هذه الظاهرة الاستشراقية التي بدأت منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري ، على يد القديس يوحنا الدمشقي وحنا النقيوسي وأمثالهما ، بدأت تتسع ويمتد نطاقها مع اتساع الفتوحات الإسلامية ، وامتدادها إلى أوروبا عن طريق الأندلس ، وصقلية ، وجنوب إيطاليا ، ويمثل هذا التطور مكانا بارزا في تاريخ الاستشراق ؛ لأن أوروبا بعد أن وصلت إليها الفتوحات الإسلامية ، وبعد أن بدأت الحضارة الإسلامية في الازدهار في تلك المراكز الأوربية ، بدأت ترقب عن كثب ما يجري في قرطبة وطليطلة وأشبيلية وغيرها من المدن الأسبانية ، فقررت الاستفادة من الحضارة الإسلامية ، وهذا تطور كبير في حركة الاستشراق ، وبداية التخلص شيئا فشيئا من قيود التعصب الكنسي ، فقد وجد كثير من الأوربيين أن الحضارة الإسلامية بدأت تتألق لا في الشرق الإسلامي فحسب ، بل في الأجزاء الأوربية التي وصلتها الفتوح الإسلامية ، في الأندلس وصقلية وغيرها . فقد كتبت أسبانيا العربية الإسلامية صفحة من أروع صفحات الحضارة الراقية في تاريخ القارة الأوربية في العصور الوسطى ، يوم أن كانت أوروبا كلها تتخبط في الظلام ، ولقد بدأت تخرج من هذا الظلام يوم أن عرفت الحضارة العربية الإسلامية ، وقدرت قيمتها وأهميتها ، فبدأت ترسل أبناءها للتعليم في مراكز الحضارة الإسلامية في الأندلس ، وفي مدنها العامرة ، مثل قرطبة ، وطليطلة ، وأشبيلية وغيرها ، وهذا الاتجاه كان تطورا إيجابيّا في مسيرة الاستشراق بالنسبة إلى أوروبا عاد عليها بفوائد كثيرة « 2 » . وقد اتخذ إقبال الأوربيين على الاستفادة من الحضارة العربية شكلا منظما ، مما جعله استشراقا يقوم على أسس علمية ثابتة واضحة ، فقد اهتمت الدول الأوربية بإرسال بعثات علمية إلى بلاد الأندلس العربية لدراسة العلوم والفنون والصناعات التي في معاهدها الكبرى ، نتيجة زيوع شهرة الأندلس وحضارتها الزاهرة في إنجلترا وفرنسا . وهناك أمثلة كثيرة توضح هذا الاستشراق العلمي المنظم ، ففي مطلع القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي وصلت بعثات علمية من إنجلترا وفرنسا إلى أسبانيا
--> ( 1 ) د . علي حسن الخربوطلي - المستشرقون والتاريخ الإسلامي ( ص 37 ) . ( 2 ) انظر : كتاب « حضارة العرب » لجوستاف لوبون ( ص 566 ) وما بعدها .